السيد محمد الصدر
211
تاريخ الغيبة الصغرى
شيئا فشيئا على التعمق الفكري والعاطفي ، وتصوغ منها في نهاية المطاف أمة شاعرة بالمسؤولية قوية الإرادة والعزم على تطبيق الأطروحة العادلة الكاملة . وذلك بعد أن تعيش الأمة الشعور بأمرين مقترنين : أحدهما : الشعور بأفضلية الأطروحة العادلة ، لا بشكل نظري فحسب ، بل بشكل حسي معاش . بعد أن تمت المقارنة لدى الأمة بكل وضوح بين هذه الأطروحة وبين سائر النظم والقوانين والنظريات المخالفة لها . وثبت بالتجربة فشل سائر النظم والنظريات ، وأدائها إلى أنواع مختلفة من الظلم والتعسف . باعتبار النقص الذاتي الموجود في سائر النظم ، ذلك النقص الذي تبرأ منه وتعلو عليه الأطروحة الكاملة . ثانيهما : الشعور بأهمية التضحية الحقيقية على مختلف المستويات في سبيل الأطروحة الكاملة التي يؤمنون بها . . والاحساس المباشر بلزوم الصبر والمثابرة والصمود أمام القوى الظالمة تمسكا بالحق . وبالرغم من صحة العاملين كليهما وأثرهما الأكيد في تربية الأمة . إلا أننا إذا فرضنا كلا منهما معزولا عن الآخر ، نجد أن العامل الثاني أهم من الأول من جهتين أساسيتين : أولا : إن محبة الأطروحة العادلة والاخلاص لها عند تطبيقها ، أمر موافق للهوى والمصالح الشخصية ، لأنها تضمن للانسان سعادته ورفاهه الفردي والاجتماعي . وأما محبة الأطروحة العادلة في ظروف الظلم والتضحية ، فهي محبة واعية عميقة تدفع الانسان إلى المكافحة والجهاد في سبيل إيجاد الواقع الاجتماعي العادل . ومن المعلوم أن المحب المخلص على الشكل الأول ، إذا لم يمر بتجارب التضحية ، يكون مهددا بالانحراف والارتداد عند مواجهة أول صعوبة يجابهها ، يشعر خلالها بالتنافي بين مصالحه الخاصة والمصالح العامة . فإذا كانت هذه الظاهرة عامة بين الأفراد . . . لم يكن ذلك التطبيق قابلا للاستمرار والبقاء . ولا يمكن أن تكون هذه الظاهرة عامة بأي حال لو كان الاخلاص ناتجا عن تضحية وصمود .